من الفوضى إلى التنظيم… الدشيرة تطوي صفحة “تالمارشيت” وتفتتح عهدًا حضريًا جديدًا
متابعة : رحال الأنصاري
لم يكن ما حدث مجرد عملية نقل لسوق عشوائي من نقطة إلى أخرى بل هو تحول نوعي في تدبير الفضاء الحضري بمدينة الدشيرة عنوانه القطع مع ممارسات عمرت طويلاً وأثقلت كاهل الساكنة. فبعد سنوات من الترقب جاء القرار الحاسم بإعادة توطين “تالمارشيت” داخل فضاء منظم ليضع حدًا لوضع ظل لربع قرن عنوانًا للفوضى والارتجال.
طوال تلك السنوات لم يكن السوق مجرد نقطة للبيع والشراء بل تحول إلى بؤرة يومية للازدحام والضجيج حيث تداخلت الأنشطة التجارية مع الحياة السكنية بشكل أخلّ بالتوازن الطبيعي للحي. غياب البنية التحتية وانعدام شروط السلامة وانتشار مظاهر العشوائية كلها عوامل جعلت من هذا الفضاء عبئًا حقيقيًا على الساكنة المجاورة.
التحرك هذه المرة لم يكن معزولًا أو ارتجاليًا بل جاء ضمن رؤية تشاركية جمعت بين السلطة الإقليمية وجماعة الدشيرة مدعومة بالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي خصصت غلافًا ماليًا مهمًا لإخراج المشروع إلى حيز التنفيذ. الهدف لم يكن فقط تحرير الملك العمومي بل إعادة الاعتبار للباعة أنفسهم عبر إدماجهم في بيئة عمل تحفظ كرامتهم وتوفر لهم شروط الاستقرار.
السوق الجديد بتجهيزاته الحديثة وتنظيمه المحكم يعكس تحولًا في طريقة التفكير في تدبير المجال الحضري حيث لم يعد مقبولًا استمرار الفوضى على حساب جودة الحياة. فقد تم تصميمه ليستجيب لمتطلبات النظافة والسلامة ويوفر فضاءً ملائمًا يوازن بين حق الباعة في العمل وحق الساكنة في العيش في محيط منظم.
ردود الفعل لم تتأخر إذ عبرت الساكنة عن ارتياحها لهذا التغيير الذي طال انتظاره فيما وجد الباعة في هذا الانتقال فرصة لبداية جديدة أكثر استقرارًا. وبين هذا وذاك تتأكد حقيقة أن الحلول الناجعة لا تأتي إلا عبر التنسيق الجاد بين مختلف المتدخلين.
ما جرى في الدشيرة ليس مجرد إجراء إداري بل تجربة يمكن البناء عليها في مدن أخرى تعاني من نفس الإشكالات حيث يثبت هذا النموذج أن الإرادة والتخطيط قادران على تحويل بؤر الفوضى إلى فضاءات منظمة تخدم الجميع وتؤسس لتنمية حضرية متوازنة.
التعليقات مغلقة.