فعاليات توحي في ظاهرها بخدمة القرآن وأهله، لكنها تخفي في باطنها أهدافا تسويقية
#مسابقة “#طفل_حافظ”.. بين قداسة القرآن واستغلال الصورة.
في خضم التنافس المحموم على صناعة “المشهد” وتجميل الواجهة، تطل علينا بعض مؤسسة أسا للتنمية والفكر، بتنظيم فعاليات توحي في ظاهرها بخدمة القرآن وأهله، لكنها تخفي في باطنها أهدافا تسويقية محضة لا تمت لروح القرآن بصلة، بل تسعى إلى استغلال قدسيته لتلميع صورة الجهات المنظمة، والتغطية على الواقع الحقيقي الذي يعيشه حفظة كتاب الله في منطقة آسا الزاك.
ها نحن أمام إعلان “مسابقة وطنية في حفظ القرآن الكريم وتجويده” بشعار براق “طفل حافظ”، وتحت رعاية لائحة طويلة من المؤسسات الرسمية، في مقدمتها عمالة إقليم آسا الزاك، والمجالس المنتخبة، وكأن الأمر يتعلق بمشروع كبير يخدم الناشئة والقرآن الكريم، ولكن، لنكن واقعيين ونسأل السؤال الجوهري: هل الغاية الحقيقية هي خدمة القرآن، أم مجرد استقطاب جماهيري ولحظة إعلامية عابرة لزاوية فقدت بريقها وتريد أن تملأ الفراغ الرمزي بأي وسيلة ممكنة؟
المسابقة التي رصدت لها جوائز مالية مغرية تصل إلى 45 ألف درهم، لا تبدو في حقيقتها نابعة من مشروع تربوي حقيقي لتثمين جهود الحفظ والتجويد، بل هي محاولة واضحة لإعادة تعبئة الزاوية وإعادة بث الروح في مشهد أصبح فارغا من مضمونه، ففي السنين الفارطة كانت الزاوية تستعين بطلبة المدارس القرآنية وتستدعيهم لتأثيث المشهد وتأكيد حضورها الرمزي، اليوم، وفي ظل فقدان هذا الزخم، لجأت المؤسسة المنظمة إلى إغراءات مالية من أجل استقطاب حفظة القرآن دون الحاجة إلى دعوات رسمية، لأن المال وحده أصبح كفيلا بجعلهم يتوافدون طوعا.
ويا للمفارقة! في الوقت الذي ترفع فيه شعارات تكريم حفظة كتاب الله، لا تزال الجهات ذاتها تتعامل معهم محليا بتهميش وسطحية، فمنذ متى كان توزيع بعض المصاحف – وكأنهم لا يملكون مصاحف – يعتبر تكريما؟ أين كانت هذه الجهات عندما كان حفظة القرآن يعانون في صمت داخل الزاوية وفي الكتاتيب القرأنية كمت هو الشأن لكتاب الفقيه مسكين الحسين، وكتاب المروة الذي تلاحقه مضايقات من قبل المجلس العلمي، بلا دعم حقيقي، ولا عناية، ولا مشاريع حاضنة تضمن لهم استمرارية العلم والتحصيل؟ أليس من التناقض أن تخصص عشرات الآلاف من الدراهم لجائزة يتيمة، بينما يعيش بعض الكتاتيب وبعض الطلبة في ظروف مزرية دون أبسط شروط الكرامة؟
ما يحدث اليوم هو إخراج الموسم عن شكله الأصيل والمتأصل، لقد تحولت الذكرى النبوية إلى لحظة استعراضية تسعى من خلالها بعض الجهات إلى تحقيق التوازن بين غياب المضمون، وحضور الشكل، إنها مسابقة تهدف إلى التقاط الصور، لا إلى غرس القيم، وإذ نثمن أي مبادرة تخدم القرآن وأهله، فإننا نرفض في المقابل أن يستغل كتاب الله وناشئته في لعبة العلاقات العامة، وتزييف الحقائق، والظهور بمظهر الراعي للعلم والحفظ، في حين أن الواقع يشهد بعكس ذلك.
إن تكريم حملة كتاب الله لا يكون برمي الفتات، ولا بتخصيص مسابقة سنوية تنسى بانقضاء لحظتها، بل يكون عبر سياسات حقيقية تضمن لهم المكانة، والرعاية، والدعم التربوي والاجتماعي، في كل لحظة من السنة، وليس فقط عند اقتراب موسم الزاوية.
فلترفع الأقنعة، ولنعد إلى الأصل: خدمة القرآن لا تكون إلا بنية خالصة، لا تحمل في طياتها مصلحة سياسية ولا مآرب تنظيمية، ولا حاجة إلى حشد إعلامي مؤقت، وإن أرادت هذه المؤسسات خدمة القرآن، فلتبدأ بإصلاح الواقع الذي تعيشه الزواية وكتاتيب المدينة، والواقع الذي يعيشه والطلبة، بدل أن تتوسل بمسابقات منمقة لتغطية الفراغ الروحي الذي تعاني منه.
التعليقات مغلقة.