الرئيسية | مقالات | قضايا الفساد.. هكذا تطوى ملفات نهب المال العام بالمغرب عقوبات مخففة وأكباش فداء للتغطية على فضائح «الكبار»

قضايا الفساد.. هكذا تطوى ملفات نهب المال العام بالمغرب عقوبات مخففة وأكباش فداء للتغطية على فضائح «الكبار»

تشبه ملفات الفساد في المغرب والمحاكمات التي تتم بخصوصه إلى حد كبير سيناريوهات برامج «كاميرا الواقع» التي أصبحت تعج بها الفضائيات الغربية والعربية في الأيام الأخيرة، ذات الحبكة والإخراج المعروف مسبقا، فما إن يشد انتباه المشاهدين ويتركز ذهنهم على توقع القادم، حتى يبتسم الضيف ملوحا سعيدا 

لذلك أصبح للمغاربة ذكريات سيئة مع الفساد والملفات التي تفتح بخصوصه، وكل ما طفا على السطح ملف من الملفات الكبرى، حتى يضع المغاربة أيديهم على قلوبهم، ليس لأن أسماء رجالات كبار ستكشف وزعماء سيرمى بهم في السجون، لكن لعلمهم بناء على التجربة أن الملف قد يجر أبرياء إلى السجن كأكباش فداء، عوض المسؤولين الحقيقيين، وأن نيرانه لن تصيب المتورطين الحقيقيين الذين سيخرجون منه أقوى.
في سنة 1996، قاد رجل الدولة القوي ووزير الداخلية آنذاك إدريس البصري حملة سميت ب«حملة التطهير» بإيعاز من الملك الراحل الحسن الثاني، بعدما سجلت السنة ذاتها أكبر حملة لتهريب الأموال إلى بنوك الخارج من قبل رجال أعمال مغاربة، وسجلت فساد بعض كبار رجال الأعمال المقربين من دوائر القرار آنذاك، لكن سرعان ما تبين أنها حملة قادها البصري لتصفية الحساب مع خصومه، أتت على الأخضر واليابس، بعدما تسببت في الزج بأبرياء في السجن، وأرجعت المغرب سنوات ضوئية إلى الوراء في تقارير المنظمات الدولية، بل إنها أدت إلى هروب العشرات من رجال الأعمال الأجانب، كما هرب الأثرياء المغاربة أموالهم إلى البنوك الأجنبية، وتوقف المستثمرون الأجانب عن القدوم إلى المغرب للاستثمار، وهو ما أثر سلبا على عجلة الاقتصاد المغربي حينها.
ولم تقتصر ملفات الفساد على قضية حملة التطهير لسنة 1996، بل إنه منذ عرف المغرب استقلاله حتى اليوم، عرف البلد تشكيل لجان نيابية كثيرة لتقصي الحقائق، أغلبها جاء في العقدين الأخيرين، وهو ما عكس بداية تفعيل آليات المراقبة البرلمانية التي اتخذها المغرب بعد الاستقلال، في ظل الزخم السياسي الذي أطلقته حكومة التناوب، لكن الملفات والقضايا التي فتحتها تقارير هذه اللجان ظلت حبرا على ورق.
يرجع الكثيرون ما آلت إليه ملفات الفساد الكبرى في المغرب، إلى عدم استقلالية القضاء، وتدخل السلطة التنفيذية في الجهاز القضائي، ففي مثل هذه التهم يُصدر القاضي حكما طبقا ل«التعليمات» وليس طبقا لما يحمله القانون المغربي من عقوبات زجرية وحبسية في حق المخالفين والمتورطين في قضايا المال والاختلاس.
وإلى جانب تدخل السلطة التنفيذية في جهاز القضاء، هناك مشكل آخر لا يقل خطورة وهو مشكل بنيوي بالدرجة الأولى، وهو ارتباط الضابطة القضائية في المغرب بجهاز الأمن الوطني والدرك الملكي، وهو ما يرجعه بعض من تحدثت إليهم «المساء» إلى غياب قوانين واضحة وصارمة في محاربة الفساد، فالقوانين التي يتوفر عليها المغرب هي قوانين براقة في أعين المنظمات الدولية، لكنها فارغة في ظل دولة يتداخل فيها الجهاز التنفيذي بالجهاز القضائي.
في هذا الملف تلقي «المساء» الضوء على نماذج من ملفات الفساد الكبرى التي عرفها المغرب الحديث، توافرت فيها جميع عناصر الجريمة المالية التي كان من المفروض والطبيعي أن تودي بالمتورطين فيها من مدراء ومسؤولين ولصوص إلى ردهات السجن، بعقوبات حبسية قد تفوق عشر سنوات في أغلب الأحيان، لكن الذي حدث في جل هذه الحالات هو العكس تماما، إذ غالبا ما تتم التضحية ب«أكباش» فداء، تورطهم قد يكون ثابتا، لكنهم يبقون لاعبين صغار في ملعب الفساد الذي يهيمن عليه آخرون كبار، يخرجون من كل ملف فساد بشهية أكبر لالتهام المزيد.
أشهر ملفات «أخطبوط الفساد» في المغرب
ناهبو صندوق الضمان الاجتماعي يتحدون بنكيران
الاختلاسات المالية التي وقعت في صندوق الضمان الاجتماعي على مدى السنين الأخيرة، والتي يضطر بسببها اليوم ملايين المغاربة إلى تقبل قرارات حكومية تجبرهم على التأقلم مع إجراءات جد قاسية، مثل تلك التي تعتزم حكومة بن كيران نهجها لسد ثغرات العجز المترتبة عن نهب الكبار لأموال الصناديق الاجتماعية، قرارات كالزيادة في سن التقاعد، هي من الملفات التي لن تأخذ من حكومة عبد الإله بن كيران، الكثير من الإجراءات لإعادة فتحها بعد سنوات من التماطل في فتح الملف لتورط شخصيات لها من يحميها في الوسط السياسي والحزبي، حسب ما تؤكد مصادر من داخل اللجنة التي كلفت بتقصي الحقائق في ملف الصندوق أكثر من 10 سنوات من الآن..
الملف جاهز بوثائقه وأدلته، وما على وزير العدل إلا فتحه، فهل يجرأ الرميد بعدما جبن سابقوه أو التقت مصالحهم ومعارفهم مع مصالح المتورطين على السير على الأسلاك الشائكة لمحاكمة ناهبي المال العام؟ يتساءل مصدر «المساء».
صندوق التضامن الاجتماعي
في صبيحة السادس من شهر يونيو من سنة 2002، وضعت لجنة تقصي الحقائق برئاسة «رحو الهيلع» تقريرها بخصوص الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي أمام أنظار المجلس، إذ توصلت اللجنة البرلمانية إلى نتائج كارثية.. فضائح مالية، اختلاسات بالجملة، سوء تدبير وحسن تبدير..
بعد أكثر من 173 يوما وأزيد من 57 اجتماعا ولقاء، وفحص أكثر من 1900 وثيقة داخلية للصندوق، وبعد أكثر من 13 زيارة وجولة ميدانية لمقر الصندوق الوطني وللمندوبيات الجهوية والإقليمية والمصحات التابعة لها، توصلت لجنة تقصي الحقائق البرلمانية إلى أن اختلاسات كبيرة من أموال الصندوق قد تمت دون حسيب أو رقيب.. بلغ حجم الأموال التي نهبت من الصندوق أكثر من 115 مليار درهم على مدى 30 سنة، منها 47,7 مليار درهم مجموع الأموال التي صرفها الصندوق من دون حق، من خلال «اختلاسات» و»صفقات مشبوهة»، حسب ما توصلت إليه لجنة التقصي.
اللجنة وضعت أسماء المسؤولين عن النهب والفساد المالي بالبنط العريض، وأشارت إلى أن المسؤولين الذين تقع عليهم المسؤولية، هم محمد كورجا الذي تولى إدارة الصندوق في الفترة الممتدة بين (1971- 1972) ومحمد لعلج الذي تولى إدارة الصندوق في (1992- 1995) ورفيق الحداوي الذي تولى إدارة الصندوق بين(1995- 2001) ومنير الشرايبي الذي تولى إدارة الصندوق سنة (2001).
كشفت اللجنة أن من مظاهر الفساد الذي استشرى في إدارة الصندوق، على سبيل المثال لا الحصر، سيادة الرشوة في عملية تحصيل الاشتراك، تزوير الوثائق، وعدم التدقيق في المعطيات أثناء منح التعويضات، بالإضافة إلى توظيف أكثر من 5000 مستخدم خارج أي إطار قانوني، وعدم تغطية المراقبة المالية لمجالات نشاط الصندوق، ورفض الحسابات الختامية منذ 1981 من طرف المجلس الإداري الذي فشل في أداء وظيفته كمراقب لأداء سير المجلس، واستعمال بعض الحسابات خارج القانون واللجوء إلى إبرام الصفقات، حسب مسطرة الاتفاق المباشر بدون تبرير مقبول..
كل ذلك شكل تهما ثقيلة كانت كفيلة أن تجر أعتى المسؤولين في دول تحرص على مالها العام إلى غياهب السجون مباشرة، لكن الذي حدث هو العكس تماما.
بدأت عراقيل الملف الذي لم يأخذ مجراه الطبيعي بنقله مباشرة إلى القاضي سرحان، دون إرفاق ذلك بالوثائق التي ضمنتها اللجنة في تقريرها، وبدل تسليم الملف إلى الشرطة المالية لفتح تحقيق مع المتهمين، والاستماع إلى إفاداتهم قبل نقلها إلى المحكمة.
في حديثه ل»المساء» يكشف أحد أعضاء اللجنة أن ذلك كان معدا سلفا «للخبطة» مسار الملف، «كنا نفاجأ ببعض المسؤولين الكبار في الصندوق تصلهم خطواتنا وتحركاتنا واتصالاتنا بالتفصيل، حتى قبل أن تطأ أقدامنا أبواب المؤسسة.. وهو ما كان يدعو المعنيين إلى اتخاذ كافة احتياطاتهم.
تسلم القاضي جمال سرحان الملف سنة 2006، وبلغ عدد المتابعين في النازلة 43 ظنينا، منهم 5 لقوا حتفهم، في حين تم الحكم على 10 بالبراءة وتوبع 28 ضمنهم 3 في حالة فرار.. ومن أبرز المتابعين محمد كورجة ومحمد العلج ورفيق الحداوي وعبد المغيث السليماني وحسن مهاجر، لكن الملف لم يأخذ مساره الطبيعي.
فبعد مجيء عباس الفاسي إلى الوزارة الأولى تسلم الملف من الشيخ بيد الله، الذي بدوره حسب مصدر «المساء» أراد التخلص من كرة نار حارقة برميها في نصف ملعب الوزير الأول، الأخير بدوره لم يقدم ولم يؤخر، وظل يتصرف كمن لا يسمع ولا يرى شيئا بعد إطلاعه على مضامين التقرير، لكن الأسماء ذاتها التي تدخلت من قبل في عهد الوزير الأول إدريس جطو هي أيضا التي تدخلت في عهد عباس الفاسي لعرقلة مسار وصول الملف إلى القضاء، ففي تصرف غير مفهوم رفضت رئاسة مجلس المستشارين تزويد الجهات المختصة بمجموعة من الوثائق، التي بدونها لا يمكن بتاتا جر أي شخص إلى المحكمة، يضيف مصدر «المساء»، وهو ما عرقل سير المساطر القضائية، وجعل الملف برمته مجمدا داخل رفوف القبة الثانية للبرلمان.
قد يبدو للقارئ للوهلة الأولى غياب بعض الوثائق لطمس الملف، لكن الأمر عكس ذلك يضيف مصدرنا، فهذه إجراءات تمنح الوقت الكافي وربح فترات طويلة من الزمن تدوم شهورا وسنوات... وبعد ذلك تتم التدخلات والتواطؤات.
اليوم تتحدث دوائر حكومية عن إعادة فتح الملف بعد طول انتظار، وهو ما يقلل منه مصدر «المساء» بالقول إن هناك جهات نافذة تضع العراقيل كي لا يغادر الملف الرفوف أبدا.. فهل تجرؤ الحكومة الحالية على تحريك ملف جاهز بالمستندات والأدلة، قد يطيح برؤوس كبيرة إلى أن تدفع ثمن سرقتها لأموال الشعب، بعد أن دفعت الدولة المغربية إلى اتخاذ قرارات غير شعبية وعلى حساب الطبقة العاملة، كالرفع من سن التقاعد وتخفيض نسبة الاستفادة لمنخرطي الصندوق؟
يوم غطى الحسن الثاني عن محمد اليازغي
لم تسلم حتى بعض قيادات الأحزاب المغربية من تُهم الفساد بالرغم من شعاراتها هي نفسها لتخليق الحياة العامة، وتأسيس دولة الحق والقانون، وتساوي الجميع أمام قضاء مستقل عن السلطة التنفيذية.
ولعل من أبرز قضايا الاختلاس المالي والفساد التي طمست بعد تعارض مصالح القصر الملكي على عهد الحسن الثاني وقيادة حزب الاتحاد الاشتراكي بزعامة عبد الرحيم بوعبيد، قضية الفساد والاختلال المالي التي سجلت مطلع الثمانينيات في ملف شركة دار النشر المغربية «إيديما» التابعة للحزب.
وتوقفت القضية في بداية الطريق، بعد أن كانت كل الإشارات تدل على أن القضاء يتجه إلى أن يحقق العدالة في قضية اختلاس أموال من دار النشر على عهد الاتحادي محمد اليازغي، كما عكست ذلك الضابطة القضائية.
هل استسلم الحسن الثاني لتهديد القيادي الاتحادي عبد الرحيم بوعبيد الذي أصدر إشارة من قلب اللجنة الإدارية حين بوشرت التحقيقات، بأن حزب القوات الشعبية كالجسد الواحد الذي إذا مس منه عضو تداعت له باقي الأطراف بالسهر والحمى، وهي رسالة واضحة تتغيى حماية محمد اليازغي من السجن مهما تطلب الأمر؟ أم أن الحسن الثاني تمكن من لف الحبل على عنق محمد اليازغي، قبل أن يرخيه بشكل يظهره كريما مع الاتحاديين؟
تتضارب روايتان في القضية التي هزت البيت الاتحادي في الثمانينيات، فبعد أن توصلت اللجنة إلى أن دار النشر المغربية التابعة لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتي كان يديرها محمد اليازغي، تعرف اختلالات مالية كبرى، تحركت الضابطة القضائية للتحقيق في الفضيحة التي هزت البيت الاتحادي، وكان محمد الحبابي قد تحدث عن ذلك بتفصيل في كرسي الاعتراف بجريدة «المساء» إذ أشار إلى أن القيادي الاتحادي محمد اليازغي تورط في اختلاس مبالغ مالية كبيرة من مالية شركة دار النشر التابعة للحزب.
ويضف الحبابي أنه « «من جملة الأشياء التي أخبرني بها الخبير المحاسب أن مبلغا ماليا يتجاوز 50 مليون سنتيم سلمه سعيد البوري مدير المطبعة إلى اليازغي غير مبررة مصارفه، كما وجدنا أن إجمالي المبلغ المختلس هو 586 ألف درهم».
في رواية الحبابي ل«المساء» يقول: «بعد أن تسلم الحسن الثاني هذا الملف، الذي تم الاستماع فيه إلى كل من سعيد البوري وكذا محمد اليازغي الذي استمعت إليه الشرطة أكثر من أربع مرات، بعث مستشاره عبد الهادي بوطالب إلى عبد الرحيم بوعبيد ليخبره بأن الشرطة كانت ستحيل الملف على القضاء، لكن الملك – حسب قول بوطالب –عندما عرف أن اسما بارزا في الاتحاد الاشتراكي متورط في الملف، قرر أن يضعه جانبا دون محاولة لاستثمار ذلك سياسيا
لكن هناك من يتبنى نسخة ثانية بخصوص هذه القضية، مفادها أن الملك الراحل الحسن الثاني استغل جيدا تلك القضية، واستثمرها سياسيا في وجه عبد الرحيم بوعبيد.
يحكي أحد الاتحاديين السابقين أن فترة الثمانينيات كانت فترة تجاذب كبير بين القصر وحزب الاتحاد الاشتراكي، وعندما وصل نبأ قضية الاختلاس إلى الملك الراحل الحسن الثاني، بعث مستشاره عبد الهادي بوطالب إلى عبد الرحيم بوعيد ليخبره بتورط محمد اليازغي في قضية اختلاس الأموال من دار النشر التابعة للحزب.
فلم يكن من الزعيم الاتحادي إلا أن مرر رسالة قوية في أحد خطاباته موجهة لمن يهمهم الأمر: «من مس اتحاديا واحدا كمن مس حزب الاتحاد الاشتراكي بأكمله»
من جانبه لم يكن الملك الراحل الحسن الثاني يرغب في أن تصل الأمور إلى إدخال محمد اليازغي إلى السجن بسبب الاختلاس المالي الكبير، فقد كان الملك يرغب في لي ذراع حزب القوات الشعبية عبر أحد قيادييه المتورط في اختلاس الأموال.
وقال قولته المشهورة التي نقلها عنه مقربوه بخصوص محمد اليازغي « غطيو عليه « أي تغاضوا عن تورطه.
البنك الشعبي.. القضاء الفرنسي يقضي بأحكام غير نافذة
لم تقتصر قضايا الفساد المالي على التراب المغربي فقط، بل إنها أحيانا كثيرة امتدت خارج الحدود، وكانت فرصة لإظهار قوة التيار المناهض للقضاء النزيه ولتنفذ المفسدين، إذ كانت تصل أيادي النافذين إلى خارج المغرب، كي تمنع إحقاق العدالة وجر المتورطين إلى ردهات المحاكم.
في سنة 1996، انفجرت قضية البنك الشعبي في العاصمة الفرنسية باريس، فقد تم التوصل إلى اختلاسات مالية كبيرة، وتبذير للأموال فاقت 30 مليون درهم، بعد أن فتح تحقيق في القضية وتم التوصل إلى أن الرجل المسؤول هو عبد اللطيف العراقي.
بسرعة تم القبض عليه وخرج بكفالة مالية، بعد أن تدخل موظفون سامون في جهاز الدولة، كانت تربطهم علاقات صداقة ومنفعة متبادلة مع المتهم.. وسرعان ما أعلنت محكمة العدل الخاصة بعدم الاختصاص، مشيرة إلى أن البنك الشعبي بفرنسا هو شركة خاضعة للقانون التجاري الفرنسي، وليست مؤسسة عمومية يمكن للقضاء المغربي أن يصدر أحكامه فيها، وهو ما يتنافى مع القانون الجاري به العمل، ومع كل النماذج القضائية في العالم.
ولجأ نوابغ الفاسد إلى الحيلة قصد طي الملف، إذ سرعان ما أحيل الملف على المحكمة الابتدائية التي أحالته بدورها على محكمة الاستئناف لعدم الاختصاص.
تم طي الملف تماما كما تم طمس الحديث عن الأموال التي تم اختلاسها، لكن سرعان ما عاد إلى واجهة الأحداث، بعد أن سافر المتهم الرئيس في القضية التي هزت الرأي العام المغربي، عبد اللطيف العراقي إلى إسبانيا، حيث لم يتردد الأمن الإسباني في القبض عليه بناء على مذكرة اعتقال أصدرتها السلطات الأمنية الفرنسية التي وقعت جل الاختلاسات فوق أراضيها.
فقد أُلقي القبض عليه، رغم صفته، بطلب من السلطات الفرنسية التي فتح قضاؤها تحقيقا في القضية، وتوصل إلى أنه مسؤول عن الاختلاسات المالية التي وقعت، وأن ذلك يضر لا محالة بمصداقية جو الأعمال فوق الأراضي الفرنسية، وجاء التحرك الفرنسي بعدما تعذر على القضاء المغربي النظر في الملف، وبعدما تبين للفرنسيين أن سمعة قضائهم على المحك، خاصة أن الأمر يتعلق بأموال أجنبية على أراضيهم.
بعد تحقيقات ومداولات ومرافعات ماراطونية، حكم القضاء الفرنسي على عبد اللطيف العراقي بعد أن ثبت تورطه في قضايا الاختلاس المالي من المؤسسة، بالسجن الموقوف التنفيذ على خلفية تهمة سوء تدبير فرع البنك الشعبي بباريس.
بقدر ما شكل الحكم صدمة لأوساط الحقوقيين الناشطين ضد الفساد المالي، بقدر ما كان الأمر سابقة في تاريخ القضاء الفرنسي، إذ لم يسبق للقضاء الفرنسي أن حكم في قضايا سوء التدبير أو الاختلاس المالي بأحكام موقوفة التنفيذ، لكن الاستثناء حدث وخرج عبد اللطيف العراقي كما خرج قبله العشرات من المسؤولين من قضايا اختلاس وسرقة أموال عامة تورطوا فيها بسلام.
القرض العقاري والسياحي.. نهب 15 مليار درهم
قبل قضية «السياش» التي يتابع فيها القيادي الاتحادي خالد عليوة بتهم تتعلق بسوء التسيير واستغلال موارد البنك لقضاء أغراض شخصية، كانت هناك قضية أخرى مشابهة بالبنك نفسه، المتورطون فيها كانوا أكثر جرأة وأكثر طمعا في أموال المال العام المودعة في البنك..
تفجرت القضية سنة 2007، وهي الفضيحة التي ثبت تورط أسماء كبيرة فيها، اختلست أموال باهظة من البنك عبر قروض كبيرة دون ضمانات كما هو معروف في مجال تسليم القروض، لكن بالرغم من ذلك تم تقديم أكباش فداء صغيرة كانت تنفذ الأوامر، في الوقت الذي ظلت فيه الحيتان الكبيرة التي التهمت أموالا طائلة في منأى عن المحاسبة، بالرغم من تسميتها بأسمائها في مجريات التحقيق.
ففي عام 2001 انفجرت فضيحة اختلاسات القرض العقاري والسياحي، بعدما تشكلت لجنة لتقصي الحقائق برئاسة الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي اليوم، إدريس لشكر، حققت في تدبير البنك في الفترة الممتدة بين 1985 إلى سنة 2000، وتوصلت إلى حقائق كارثية وصادمة.
بعد مداولات وتحقيقات ماراطونية.. تبين فيما بعد أنها لم تمس جوهر القضية، ولم تضع الأصبع على مكمن الاختلاس.
أقفل الملف سنة 2007، بعدما حوكم على المتهم الرئيس مولاي الزين الزهيدي ب20 سنة سجنا نافذا، و13 شخصا بمدد سجنية متفاوتة، تراوحت بين 5 سنوات سجنا نافذة وسنة واحدة مع إيقاف التنفيذ.
حكم على المدير العام السابق، الذي كان في حالة فرار، لا يعرف الكثيرون كيف تمت في جنح الظلام، ب 20 سنة سجنا، فيما تحولت الأحكام الصادرة في حق المتابعين الماثلين أمام المحكمة إلى أحكام غير نافذة.

عدد القراءات : 1080 قراءات اليوم : 1

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (0)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

آراء ومواقف

قضايا الفساد.. هكذا تطوى ملفات نهب المال العام بالمغرب  عقوبات مخففة وأكباش فداء للتغطية على فضائح «الكبار»

السلسلة الثالثة - من هي شركة السلام اوبركة المحظوظة

بعد سلسلتين من الحديث عن الطفلة المدللة شركة – السلاك اوبركة - ها نحن اليوم نطل عليكم من جديد ونقول لكم ان الطفلة المدللة التي

النشرة البريدية

استطلاع الرأي

ما رأيك في الموقع؟

الكلمات الدليلية:

لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع