في مجتمع تراتبي قائم على الصراع المعلن والمضمر بين من يملك ومن لا يملك، يتم العمل باستمرار على تحوير وتحويل مسارات الصراع، عبر آليات الإدماج والتهميش والتطبيع، فالنسق يفترض فيه أن يحافظ على توزانه المختل،وأن يدبر تناقضاته بأقل الخسائر الممكنة. علما بأن ما يتم الاشتغال عليه، باستمرار، هو محو إمكانات المواجهة بين الفوق والتحت، وهو ما يدفع الى تحويل المسارات العنفية والصراعية من الزوج العلائقي تحت/فوق، إلى زوج علائقي آخر هو تحت/تحت. ومنه نفهم ” التطاحن الاجتماعي” الذي يتواصل بين آل القاع الاجتماعي، وفق صياغات واحتمالات متعددة، ولن تكون واقعة نهب الأكباش من فلاحين بسطاء، إلا واحدة منها، تنضاف إلى حالة مدمن الأقراص المهلوسة الذي يعترض سبيل العاملة الكادحة، ليسلبها أجرتها الشهرية، تحت تهديد السلاح الأبيض.
فبدل أن يدبر الصراع القائم بين مالكي وسائل الانتاج والاكراه، وفاقدي او محدودي الرساميل الرمزية والمادية، بدل أن يدبر هذا الصراع بالتاءات ( تنوير، تحرير، تغيير) والعيون (عدل، علم، عمل) الثلاث، فإنه وللأسف، يدبر اليوم بصيغتين فاشلتين على الأقل، الأولى وهي تحويل الصراع من التحت/فوق الى التحت/تحت، وهو ما يمكن أن ينتج بعدا، حربا أهلية غير معلنة، تنكشف مؤشراتها في عصيان مدني واستهتار بالاحترازات الصحية ومهاجمة لسد قضائي ونهب للمواشي من سوق رسمية. وأما الصيغة الثانية فهي “فردنة الأزمة” بالتوكيد عن طريق الاعلام والكوتشينغ المعطوب وباقي الاجهزة الايديولوجية، أن المشكل في الفرد لا النظام السياسي، وأن كل ما يحدث لا علاقة بالسياقات السوسيوسياسية، التي أوصلتنا الى هذه الحالة البائسة من الاحتباس القيمي والبؤس المجتمعي.
كما قلت قبلا، إننا نحصد ما زرعناه من تهميش وتبخيس، فمن يزرع الريح يحصد العاصفة، وما نعيشه اليوم من وقائع صادمة، ما هي الا الجزء الظاهر من جبل الجليد العائم. إننا وفي ظل هذه الجائحة، نريد مواطنا صالحا في خمسة أيام، ولم نقدم له قبلا، لا إعلاما تنويريا ولا عدالة اجتماعية ولا عملا دامجا، نريده مواطنا صالحا، وفي ظرف خمسة أيام وكل ما قدمناه له هو التفقير والتجهيل والتبخيس. فما حدث، لا يمكن اعتباره معزولا، إنه يدين السياسي والديني والاقتصادي والاجتماعي. إنه يدين النسق برمته.
#عبدالرحيم_العطري