سفيان مسرار….
مساهمة منا في النقاش والحوار الرائج حول هذا المشروع، الذي يعتبر سابقة على المستوى المحلي والإقليمي والدولي، فقد سجلنا بعض الملاحظات العامة في انتظار طرحه رسميا للنقاش العمومي.

أولا: مسألة مقاطعة المنتوجات الوطنية مرفوضة ولا تخدم المصلحة الوطنية، ولكنها مسألة أخلاقية بالدرجة الأولى يعود الحكم فيها لضمير الفرد والجماعة ولمدى استجابة هذه المنتوجات لحاجيات المواطن على مستوى متلازمة الجودة والثمن. وبالمقابل فإن مقاطعة المنتوجات الأجنبية مسألة مستحبة ومرغوب فيها، خصوصا في مثل هذه الظروف. والمرغوب فيه أن تصدر الحكومة كخطوة أولى توجيها للقطاعات الحكومية باستعمال السيارات المنتجة محليا لدعم الاقتصاد الوطني وتوفير العملة الصعبة ولعب دور بيداغوجي، اقتصاديا واجتماعيا؛ فالأمر يتعلق بوسيلة نقل وليس بوسيلة للتفاخر وإظهار العظمة.

وأظن أن الشركات المعنية بالمقاطعة قامت بمجهودات ملحوظة لتفادي أزمة الثقة بينها وبين المستهلك من خلال التقليص من هامش ربحها والتعريف أكثر بعملها. وفي هذا السياق تجب الإشارة إلى أن حملة المقاطعة انتهت ونسيها الناس -ولن نخوض في الطريقة التي انتهت بها- وبالتالي فإن مشروع القانون هذا وكأنه يبعث الحياة فيها من جديد. يبدو حقاً كأنه “يضرب الأحمق بالحجارة”، حسب المثل الشعبي. فمن مصلحة مَن يثار الموضوع من جديد بإخراج الجني من الجرة؟.

ثانيا: لقد دأبت البحوث العلمية في مجال التشريع على تصنيف القوانين إلى نوعين؛ الأول يتمثل في القوانين المنتجة للقيمة المضافة قانونياً، ومثال ذلك القوانين المشجعة للاستثمار. وكذلك هو الأمر بالنسبة لقانون إحداث المناطق الحرة. ولا مبالغة في القول إن هذا المشروع الوطني الإستراتيجي حقق مداخيل ضريبية وأخرى من العملة الصعبة فاقت مداخيل الفوسفاط؛ ناهيك عن مئات الآلاف من مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة. والمثال الآخر مبادرة منح الشباب قروضاً استثمارية من شأنها أن تخلق مناصب شغل وتحقق على المستويين المتوسط والبعيد مداخيل ضريبية معتبرة. وهناك أمثلة عديدة على مستوى القوانين المقارنة لا داعي لسردها، نكتفي فقط بالإشارة إلى النموذج الاقتصادي الرواندي، والذي اعتمد على محاربة الفساد وتشجيع رقمنة الاقتصاد وحقق بذلك نسبة نمو سنوية تصل إلى 12 في المائة

أما النوع الثاني فيتمثل في القوانين المستهلكة، التي لا ربحية مادية من ورائها، وغالباً ما يلجأ إليها المشرع لحل إشكالات اجتماعية، مثلما هو الحال بالنسبة للقوانين الرامية إلى حماية بعض الفئات الهشة من المجتمع. ولعل الغريب والشاذ عن القاعدة أن مشروع القانون الجديد يستعصي على الخضوع لهذا التصنيف، بل أبدع صنفا ثالثا جديداً تستحق الحكومة من خلاله براءة اختراع؛ ويندرج ضمن ما يمكن تسميتها القوانين المبذرة للجهد والكفاءات والميزانية. ترى من هو هذا العبقري الذي يدعي في العلم معرفة وكان وراء وصفة هذا المشروع / الطبخة الذي لا قيمة مضافة له، ولا ربحية ترجى من ورائه؛ بل إنه سيستنزف مداخيل قطاعات أخرى من أجل إحداث قطاع حكومي منهِكٍ لميزانية الدولة، وسيخلق مناصب شغل يكون المطلوب من الكفاءات المشتغلة فيه هو إتقان فن البصبصة la délation لا غير؟..فما هكذا تورد الإبل يا قيس. وبالبحث في القانون المقارن نجد أن معظم الدول التي أثارت الموضوع اقتصرت فقط على نقاش مبدأ حق الرد، الذي تكفله قوانين الإعلام، وكيفية امتداده ليشمل المحتويات الرقمية الإخبارية المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

ثالثا: اللجوء إلى القانون الجنائي في هذا السياق هو عنوان للفشل الذريع، لأن تجريم الرأي هو ضعف وخوف من الرأي المخالف، وسيعمّق انعدام الثقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع.

ولعل إسقاط الجوانب الجنائية لقانون الشركات خير دليل على أن المقاربة الجنائية غالبا ما تكون غير منتجة بقدر ما تكون عامل زعزعة وتلويث للبيئة الاستثمارية. بالإضافة إلى ذلك فإن كلفة التجريم مرتفعة جدا وستشكل عبئا على ميزانية الدولة في المستقبل، فالجريمة لها ثمن والعقوبة كذلك؛ ناهيك عن إنهاك مؤسسات إنفاذ القانون بالبحث والتحري في جرائم دون أهمية ومنعدمة الخطورة على المجتمع، بدل توجيه جهود البحث والتحري في الجرائم التي تنخر المجتمع كالرشوة والمحسوبية والكسب غير المشروع، وتبديد المال العام واستغلال النفوذ والسرقة والقتل والتزوير واللائحة طويلة… (انظر إلى التصنيف الدولي للمغرب في هذا المجال).

ثالثا: فاجعة كورونا، ورغم المآسي والأحزان التي خلفتها وستخلفها فقد أظهرت أن الأحزاب السياسية غير قادرة على تأطير المجتمع، وأن وجودها مهدد بحلول 2021، وخلقت لأول مرة في تاريخ المغرب فرصة لمراجعة الذات والاختيارات الاقتصادية والاجتماعية التي لم تنتج إلا الفقر( أنظر الرقم المخيف لحجم المستفيدين من دعم صندوق كورونا).

هذا الجو الإيجابي والزخم ورصيد الثقة المكتسب بين مؤسسات الدولة والمجتمع يرعب الأحزاب الداعمة لمشروع القانون/ الطبخة، لأنها اعتادت أن تتغذى من الصراع وسوء الفهم بين الطرفين؛ فعوض أن يُستغل هذا الجو الإيجابي في بناء مشروع شامل للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، يبدو مشروع القانون وكأنه محاولة للإيقاع بين الدولة والمجتمع من جديد. وتاريخ هذه الأحزاب مليء بشواهد الإثبات على نقضها العهود التي كانت تسوّقها للمجتمع في برامجها الانتخابية.

رابعا: في وقت برهنت الدولة والعاملون في دواليبها – من أطر الصحة والتعليم والشرطة والقوات المسلحة وعمال نظافة وغيرهم – عن الكفاءة العالية وروح المسؤولية رغم الضعف الكبير الذي تعاني منه البنية الصحية، نجد أحزاب الكمامة منغمسة حد التماهي في ترتيب انتخابات 2021، في حملة سابقة الأوان للانقضاض من جديد على السلطة من خلال تكميم وسائل التواصل الاجتماعي لأنها مرعوبة منها ومن تأثيرها، خصوصا بعد التجربة الانتخابية الفرنسية بصعود ماكرون، والتجربة الانتخابية الإسبانية بصعود بوديموس، وأيضاً التجربة الانتخابية التونسية بصعود المثقف والأستاذ الجامعي قيس سعيد. وتعرف هذه الأحزاب تمام المعرفة أن الشعب سيطلقها طلاقا بائناً بينونة كبرى، وقد يختار المثقفين لتمثيله، خصوصا بعدما أعطى فرصة عشر سنوات لهذه الأحزاب أظهرت خلالها حبا غير مسبوق للكراسي وشغفاً لا يضاهى بمتعة السلطة والتعلق بها.

خامسا: إقحام البنوك بدعوى حمايتها من الدعوة إلى طلبات السحب الفجائية هو دعوة للفتنة. فبدراسة القانون البنكي وتتبع أحوال المصارف المغربية، لم نشهد قط دعوة إلى مقاطعتها إلا ما أنتجه التطبيق غير السليم لمسطرة الحجز لدى الغير والذي أرعب المودعين وأزعج البنوك على حد سواء.

لذلك فإن الزج بالأبناك في مشروع القانون هو سم مدسوس في صحن عسل. فالبنوك المغربية رغم ما يمكن أن يوجه لها من انتقادات مرتبطة برسومها العالية وغير المبررة فأنها تبقى بنوكا وطنية وتمثل الذراع الأساسي للدبلوماسية المغربية الناعمة، وتحظى باحترام داخلي وخارجي؛ نرجو أن تنتبه للدور التي يراد لها أن تلعبه في مسرحية طبيب رغما عنه، استحضاراً لمسرحية لموليير.

سادسا: عجيب هو الطرح وغريب هو الإسناد؛ فمشروع القانون يريد أن يحمل المستفيد من الخدمة مسؤولية المزود. وبالموازاة مع خنوعه أمام الشركات الإلكترونية العالمية مثل فيسبوك وغيرها، يستأسد مشروع القانون على المواطن باعتباره الحائط القصير ليعلق عليه فشله في تدبير الشأن العام وتخليق الحياة العامة، وكأن وسائل التواصل الاجتماعي هي سبب البطالة والفقر والجهل والأمية المتفشية؛ وكأنما لم يعد للحكومة من شغل شاغل غير متابعة التدوينات الفيسبوكية.
سابعا: مشكلتنا تكمن في عدم قدرة الأحزاب السياسية على مسايرة طموحات المواطن؛ فكل الإصلاحات والمشاريع الكبرى كانت بمبادرات خارجها، ولم نسمع يوما أن حزبا سياسيا قدم مقترحا مفيدا ومربحا لهذا البلد، حتى أصبح الجميع يتساءل عن جدوى وجودها ويبحث عن معادلة تستغني فيها الديمقراطية عن الأحزاب، التي كانت صناديق حزبية فأصبحت اليوم أحزاباً “كمامية”.
وأخيراً، من الواضح جلياً أنّ الهدف الأساسي من مشروع القانون ليس حماية المنتوج الوطني، لأن ذلك يتوقف على قدرته على منافسة مثيله الأجنبي، وإنما التصدي لحملات المقاطعة، حماية لمصالح شخصية تستأثر بالاقتصاد الوطني وتحتكر ثرواته في إطار نموذج تنموي أعلن إفلاسه.
وختام قولنا، لسنا بهذا الغباء يا سادة، ونحمد الله ألف مرة على أن للبيت رباً يحميه.
* أستاذ القانون الخاص- جامعة عبد المالك السعدي كلية الحقوق – طنجة
منقول